المقريزي
872
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
إذ ذاك - وهي عجوز لها سمت ووقار - تطوف كلّ يوم وفي الجمعة الجوامع والمساجد والرّباطات والأسواق ، وتستقصي الأخبار ، وتعلم محبّ ولدها الأفضل من مبغضه . وكان الإطفيحي قد سمع بخبرها ، فجاءت يوم / جمعة إلى مسجده ، وقالت له : يا سيّدي ولدي في العسكر مع الأفضل ، اللّه يأخذ لي الحقّ منه ، فإنّي خائفة على ولدي ، فادع اللّه لي أن يسلّمه . فقال لها الشّيخ : يا أمة اللّه ، أما تستحيين تدعين على سلطان اللّه في أرضه ، المجاهد عن دينه ؟ اللّه تعالى ينصره ويظفّره ويسلّمه ويسلّم ولدك ، ما هو إن شاء اللّه إلّا منصور مؤيّد مظفّر كأنّك به وقد فتح الإسكندرية ، وأسر أعداءه ، وأتى على أحسن قضيّة وأجمل طويّة ، فلا تشغلي لك سرّا ، فما يكون إلّا خيرا إن شاء اللّه تعالى . ثم إنّها اجتازت بعد ذلك بالفار الصّيرفي بالقاهرة بالسّرّاجين ، وهو والد الأمير عبد الكريم الآمري صاحب السّيف ، وكان عبد الكريم قد ولي مصر بعد ذلك في الأيّام الحافظيّة ، وكان عبد الكريم هذا له في أيّام الآمر وجاهة عظيمة وصولة ، ثم افتقر . فوقفت أمّ الأفضل على الصّيرفي تصرف دينارا ، وتسمع ما يقول لأنّه كان إسماعيليّا متغاليا ، فقالت له : ولدي مع الأفضل ، وما أدري ما خبره ؟ فقال لها الفار المذكور : لعن اللّه المذكور الأرمنيّ الكلب ، العبد السوء ابن العبد السّوء ، مضى يقاتل مولاه ومولى الخلق . كأنّك واللّه يا عجوز برأسه جائزا من هاهنا على رمح ، قدّام مولاه نزار ومولاي ناصر الدّولة ، إن شاء اللّه تعالى ، واللّه يلطف بولدك ، من قال لك تخلّيه يمضي مع هذا الكلب المنافق ؟ وهو لا يعرف من هي . ثم وقفت على ابن بابان الحلبي - وكان بزّازا بسوق القاهرة - فقالت له مثل ما قالت للفار الصّيرفي ، وقال لها مثل ما قال لها . فلمّا أخذ الأفضل نزارا وناصر الدّولة ، وفتح الإسكندرية حدّثته والدته الحديث ، وقالت : إن كان لك أب بعد أمير الجيوش ، فهذا الشّيخ الإطفيحي . فلمّا خلع عليه المستعلي بالقصر ، وعاد إلى دار الملك بمصر ، اجتاز بالبزّازين يوما ، فلمّا نظر إلى ابن بابان الحلبي ، قال : انزلوا بهذا ، فنزلوا به ، فقال : رأسه ، فضربت عنقه تحت دكّانه ، ثم قال لعبد على أحد مقدّمي ركابه الحلقف هاهنا ، لا يضيع له شيء إلى أن يأتي أهله ، فيتسلّموا قماشه . ثم وصل إلى دكّان الفار الصّيرفي ، فقال : انزلوا بهذا ، فنزلوا به ، فقال رأسه ، فضربت عنقه تحت دكّانه . وقال ليوسف الأصغر ، أحد مقدّمي الرّكاب . اجلس على حانوته إلى أن يأتي أهله